لأنَّ «فرنسا العربية» في أوائل القرن التاسع عشر، مساحة تاريخية لم يظهر حضورها الكامل في السجلات الرسمية؛ يستكشف هذا الكتاب قصة مسار الخليط البشري الذي قرر الرحيل عن مصر مع الجيش الفرنسي المنسحب بعد فشل الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801). إن «فرنسا العربية» ليست تاريخًا وهميًّا، بل دراسة للشظايا المنسية: رسائل بالعربية، سجلات الشرطة، شواهد قبور، لوحات فنية وأرشيفات متعددة، تكشف عن حياة العرب الذين استقروا في فرنسا بعد الحملة المصرية ونفوذ نابليون. من التجار والمحتالين إلى الجنود والعلماء، يروي الكتاب قصص هؤلاء المهاجرين الفردية والجماعية، ويدرس شبكة علاقاتهم عبر اللغة والثقافة العربية، متجاوزًا الحدود السياسية والجغرافية التقليدية بين أوروبا والعالم الإسلامي.
يعيد هذا الكتاب تصور الفضاء الاجتماعي والثقافي لهؤلاء المهاجرين، مسلطًا الضوء على حياتهم اليومية، ومصاعبهم، وتحالفاتهم، وصراعاتهم، في قلب باريس ومرسيليا ومدن فرنسية أخرى. يسعى الكتاب، عبر دمج الوثائق التاريخية مع التحليل الاجتماعي–الثقافي، إلى استجلاء كيف ساهم هؤلاء المهاجرون العرب في إعادة تشكيل الحياة الفرنسية وتوسيع إدراك أوروبا لمجتمعات متعددة الثقافات قبل الحقبة الاستعمارية؟ وكيف خلقوا أنماطًا جديدة من الحياة لا تنتمي إلى العالَم الذي تركوه، ولا تنتمي إلى عالَم المهجر؛ العالَم الذي بنوا فيه «فرنسا العربية»؟!
إنَّ «فرنسا العربية» التي ينسج هذا العملُ روايتَها ليست دولة أو حقبة، بل هي فعل رؤية متعمد وخيار تاريخي ومساحة إمكان، تتيح للقراء استكشاف تجربة هجينة بين الشرق والغرب، وتفتح آفاقًا جديدة لفهم التفاعل بين الثقافات، وإسهام المهاجرين العرب في النسيج الاجتماعي الفرنسي، بعيدًا عن الروايات الرسمية والتصورات الاستعمارية التقليدية.